مقدمة

مع الانتشار السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي والتوكيلي، برزت أسئلة جوهرية حول كيفية إدماجها في أكثر القطاعات حساسية: ألا وهو القضاء. فالعدالة لا تحتمل المجازفة بالسرية أو الحياد أو الثقة المجتمعية. وفي هذا السياق، اتخذت ولاية كاليفورنيا خطوة لافتة عبر تبني قاعدة جديدة تدخل حيّز التنفيذ في الأول من سبتمبر 2025، لتنظيم العلاقة بين المحاكم وهذه التقنية.

لجنة وخط زمني واضح

في مايو 2024، شكّلت رئيسة المحكمة العليا في كاليفورنيا، باتريشيا جيريرو، لجنة متخصصة لدراسة أثر الذكاء الاصطناعي على القضاء. عملت هذه اللجنة على إعداد توصيات عملية، وقدّمت في فبراير 2025 مسودة سياسة نموذجية، طُلب من المحاكم إبداء ملاحظاتها عليها حتى السابع عشر من أبريل 2025.

وبعد مراجعة الملاحظات، اعتمد المجلس القضائي قاعدة المحكمة 10.430 والمعيار الإداري 10.80، على أن يبدأ التنفيذ في 1- سبتمبر- 2025 كما منحت المحاكم فترة سماح حتى الخامس عشر من ديسمبر 2025 لتقديم سياسات مكتوبة إذا اختارت اعتماد الذكاء الاصطناعي بدلاً من حظره.

ملامح القاعدة

القاعدة لم تأتِ كنصوص عامة، بل تضمنت محاور واضحة:

  • حماية سرية البيانات القضائية ومنع تسربها إلى منصات عامة.
  • إلزام المراجعة البشرية قبل اعتماد أي مخرجات تقنية.
  • الإفصاح عند الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في إعداد وثائق أو مذكرات قضائية.
  • التصدي لأي ممارسات تؤدي إلى تحيز أو تمييز غير مشروع.
  • إرساء مرونة تسمح للمحاكم بمواءمة السياسات مع احتياجاتها، دون المساس بالمبادئ الجوهرية.

التجربة السعودية

في السعودية، يشهد القضاء تحولًا رقميًا واسعًا في إطار رؤية 2030. ومن أبرز ملامحه منصة ناجز، التي أصبحت البوابة الموحدة للخدمات العدلية الرقمية، وتمكّن المتقاضين من رفع الدعاوى ومتابعتها والتوثيق الإلكتروني بكفاءة وشفافية.

وفي هذا السياق أصدرت الجهة التنظيمية مبادئ الذكاء الاصطناعي، ومبادئ الذكاء الاصطناعي التوليدي للجهات الحكومية، ونصت فيهما على إلزامية تطبيق ماورد في هاتين الوثيقتين خلال جميع مراحل دورة حياة هذه الأدوات لتسخير فوائدها والتخفيف من المخاطر، حيث صممت لتنطبق على جميع أدوات الذكاء الاصطناعي وفي مختلف القطاعات.

كما أن نظام حماية البيانات الشخصية (PDPL)، الذي تشرف على تنفيذه سدايا، يشكّل أساسًا تشريعيًا لحماية البيانات، ويعزز الثقة في التعامل مع المعطيات الحساسة. هذه البنية القانونية والتقنية تضع المملكة في موقع متقدم لبحث آليات دمج الذكاء الاصطناعي في القضاء مستقبلاً، ضمن إطار يحافظ على العدالة والموثوقية.

مقارنة دولية

الاتحاد الأوروبي: صَنّف “قانون الذكاء الاصطناعي (AI Act)” التطبيقات القضائية ضمن الفئات عالية المخاطر، ما يفرض أعلى درجات الرقابة.

المملكة المتحدة وكندا: اختارتا مسار التجريب والاختبار التدريجي في الأوساط القانونية.

كاليفورنيا: اتخذت نهجًا تطبيقيًا مباشرًا، إذ حمّلت المحاكم نفسها مسؤولية تبني سياسات مكتوبة ملزمة، في خطوة عملية تتجاوز التوصيات العامة.

خاتمة

القرار الذي يدخل حيّز التنفيذ في 1- سبتمبر- 2025 يعكس قناعة متزايدة بأن العدالة لا يمكن أن تظل محايدة تجاه الذكاء الاصطناعي. وجود سياسات مكتوبة وملزمة يضمن أن تكون التقنية أداة مساعدة لا مصدرًا للتشويش أو التحيز.

والرسالة أبعد من حدود كاليفورنيا: فكل نظام قضائي يواجه اليوم تحديًا مماثلًا، بين الاستفادة من الكفاءة الرقمية والحفاظ على القيم الأساسية. وفي السعودية، حيث يقود التحول العدلي الرقمي ومنصة ناجز ونظام حماية البيانات الشخصية PDPL، يبدو الطريق ممهدًا لمرحلة جديدة يمكن أن تجمع بين الابتكار والثقة.

إن دمج الذكاء الاصطناعي في القضاء ليس مسألة “هل سيحدث؟”، بل “كيف سيحدث؟” — والإجابة تكمن في صياغة أطر واضحة تحفظ سرية القضايا وخصوصية المتقاضين، وتضمن المراجعة البشرية، وتبقي العدالة في صميم أي تحول تقني.

Privacy Professionals

Privacy Professionals

We provide integrated personal data protection services using innovative technologies that enhance privacy and ensure compliance to regulations, in collaboration with trusted global partners and pioneers in advanced technical solutions adapted to the laws and requirements of local regulators.

عضو منذ فبراير 24, 2026
مقالات 24

Would you like to share your thoughts?

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *