شهدت الساحة القضائية اليوم في العصر الرقمي تطورًا لافتًا في أدوات العمل القضائي، وذلك بفعل الثورة التقنية وكان من أبرز صورها: دخول الأنظمة الذكية الخبيرة كمساعدات تقنية للقاضي، وذلك بتحليل المعطيات، وتقدير الوقائع، وإبداء الرأي الفني، ولما كانت هذه الأنظمة قادرة على معالجة كم هائل من المعلومات باستخدام خوارزميات دقيقة، ثار التساؤل حول مشروعية الاعتماد عليها في المرفق القضائي، واستبدالها بالخبرة البشرية.
وتناقش هذه المقالة حكم الاستعانة بالأنظمة الذكية الخبيرة عند القضاء وذلك بعد توضيح صورتها.
صورة المسألة: يمكن إيضاح صورة الأمر من خلال المثال التالي:
– أن يدعي شخص على آخر أنه تسبب له في ضرر مالي بسبب خطأ مهني، كأن يقدم له استشارة خاطئة تسببت له بخسائر، وحتى يتمكن القاضي من تحديد مدى مسؤولية المدعى عليه، وقيمة التعويض لابد له من الرجوع إلى أهل الخبرة، فيستعين القاضي بالنظام الخبير، فيقوم النظام بتحليل المستندات المالية للمدعي قبل وقوع الضرر وبعده، مقارنة أنشطته المالية والتجارية المشابهة في نفس الفترة، والاستفسار من الجهات ذات العلاقة، ثم بعد ذلك يقدر الخسائر الفعلية، ويقدم هذه النتيجة للقاضي.
أولا: مشروعية الاستعانة بالخبير في مجال القضاء
لا خلاف بين الفقهاء في مشروعية استعانة القاضي بالخبير، وأما المنظم السعودي فقد نص على ذلك صراحة في:
-المادة (91) من نظام الإثبات: (للمحكمة عند الاقتضاء ندب خبير للتحقق من ثبوت العرف أو العادة بين الخصوم)
-المادة (108) من ذات النظام: (للمحكمة ندب خبير للاستعانة به في المعاينة، ولها سماع من ترى سماعه من الشهود)
وبما أن النظام الذكي الخبير هو امتداد تقني لأهل الخبرة فإن حكم الاستعانة به يقاس على حكم الاستعانة بالخبير البشري.
ثانيا: حكم الاستعانة بالأنظمة الذكية الخبيرة عند القضاء
تعد الاستعانة بالأنظمة الذكية الخبيرة في العمل القضائي من المسائل المعاصرة التي تأخذ حكم الإباحة، وتستند الإباحة إلى الاعتبارات الآتية:
أولا: أن البينة في الشرع اسم لما يبين ويظهره، فإذا ظهر الحكم بأي طريق من الطرق حكم به ولو كان من خلال الأنظمة الذكية.
ثانيا: أن الشريعة الإسلامية مبنية على تحقيق المصالح ودرء المفاسد، وفي الاستعانة بالأنظمة الذكية الخبيرة مصالح راجحة؛ تظهر في سرعة البت في القضايا، وتوفير الجهد والوقت، وتقليل نسبة الخطأ البشري.
ثالثا: أن الوسائل تأخذ حكم المقاصد، فكل ما كان وسيلة لتحقيق الوصول إلى الحكم العادل فهو من المشروع.
رابعا: أن المنظم السعودي جعل الاستعانة بالخبير أمر عائد لسلطة القاضي التقديرية، وهذا يتضمن الخبير البشري والأنظمة الذكية.
يرتبط بهذه المسألة مفهوم حديث درج استخدامه مؤخراً، وهو ما يسمى بصنع القرار المؤتمت (Automated Decision Making) ويعني: اتخاذ قرار بوسائل آلية دون أي تدخل بشري. يمكن أن تستند هذه القرارات إلى بيانات واقعية، بالإضافة إلى ملفات تعريف رقمية أو بيانات مُستنتجة. وسنناقش أدناه شروط تطبيقه.
ثالثا: شروط الاستعانة بالأنظمة الذكية وتطبيق مفهوم (Automated Decision Making) في الأنظمة الحديثة
· أن تكون الأداة خاضعة لإشراف القاضي، فلا يُستند على مخرجات النظام دون التحقق من صحتها.
· ألا تستقل الأنظمة الذكية بإصدار الحكم القضائي، بل يقتصر دورها على التقدير والتحليل.
· ضمان توفير الحيادية والشفافية في خوارزميات النظام.
· اخضاع النظام لعدة اختبارات لمعرفة مدى صحة ما يدليه من النتائج.
· أن يسمح للأطراف بممارسة حقهم في مناقشة رأي الخبير وإبداء الملحوظات.
· أن يقدم النظام الخبير محضرًا بما قام به، والنتائج، ورأيه، والأسانيد، وأن يتسم ذلك بالوضوح والشفافية.
· أن تلتزم الأنظمة المؤتمتة بأعلى معايير حماية البيانات والخصوصية.
رابعا: موقف المنظم السعودي
انتهج المنظم السعودي نهجًا مواكبًا للتحولات الرقمية، فعمد إلى تنظيم عملية استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي من خلال وضع إطار تنظيمي أصدرته الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) تحكم هذا الاستخدام، وهو مبادئ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وضوابطه. بالإضافة إلى أنه أفرد للجهات الحكومية تنظيمًا خاص (مبادئ الذكاء الاصطناعي التوليدي للجهات الحكومية)، وقد حدد المشرع مبادئ استخدام الذكاء الاصطناعي وأجملها في سبعة مبادئ على النحو الآتي:
1- مبدأ النزاهة والإنصاف.
2- الخصوصية والأمن.
3- الإنسانية.
4- المنافع الاجتماعية والبيئية.
5- الموثوقية والسلامة.
6- الشفافية والقابلية للتفسير.
7- المساءلة والمسؤولية.
كما حدد المشرع السعودي سُبل استفادة الجهات الحكومية من الذكاء الاصطناعي التوليدي شريطة الالتزام بالمبادئ التي سبق ذكرها، وذلك وفقا لما يلي:
أولا: تعزيز الكفاءة التشغيلية.
ثانيًا: اتخاذ قرارات مدروسة.
ثالثًا: جودة الخدمة ودعم المواطنين.
رابعًا: تسريع عملية البحث والتحليل.
خامسًا: الاستجابة للأزمات.
سادسًا: الترجمة.
سابعًا: إنشاء المحتوى.
الخاتمة:
إن الاستعانة بالأنظمة الذكية تعد تطورًا يواكب حاجات العصر، ويساهم في تحسين جودة العمل في المرفق القضائي، وتحقيق العدالة بكفاءة أكبر، وهي في حقيقتها امتداد لِما قرّره الفقهاء من مشروعية الاستعانة بأهل الخبرة، وعليه فإنه حكم استخدامها محكوم بعدم مخالفتها للضوابط الشرعية والنظامية، وأن تبقى في حكم الإعانة، لا الاستقلال بالحكم القضائي. ويبقى من الضروري أن يُوضع لهذه الأنظمة أطر تنظيمية صارمة، تكفل النزاهة والعدالة.
المراجع:
· د.أروى بنت عبدالرحمن الجلعود، أحكام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القضاء، الرياض، 1444هـ.
· الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي(سدايا)، مبادئ الذكاء الاصطناعي التوليدي للجهات الحكومية، 2024